الفيض الكاشاني
مقدمة 23
علم اليقين في أصول الدين
خاطري أن أسعى في معرفة أسرار الدين وعلم الراسخين ، لعل النفس تحصّل بذلك كمالا ، إذ لم يكن للعقل إليه طريق ، ولم ينفتح للنفس - بما حازت من الدرجة الإيمانية - باب ، ولا تصبر على الجهالة ، وتؤلمني على الدوام . فبناء على هذا خضت برهة في مجادلات المتكلمين ، وكنت ساعيا بآلة الجهل في إزالته ؛ وسرت أخرى في طريق مكالمات المتفلسفين بالتعلم والتفهّم ، ونظرت كذلك في ادّعاءات المتصوفة وأقاويلهم ، وبرهة بحثت في رعونات « من عنديّين » ؛ وكنت ألخّص كلمات هذه الطوائف الأربع في كتب ورسائل ، من غير تصديق بكلها ، ولا عزيمة قلب على جلّها ؛ بل أحطت بما لديهم في ذلك على التمرين زبرا ، فلم أجد في شيء من إشاراتهم شفاء علّتي ، ولا في أدواة عباراتهم بلال غلّتي ؛ حتّى خفت على نفسي ، إذ رأيتها فيهم من ذويهم ؛ فتمثّلت بقول من قال : خدعوني نهبوني ، أخذوني غلبوني ، وعدوني كذّبوني ؛ فإلى من أتظلّم ففررت إلى اللّه من ذلك ، وعذت باللّه من أن يوقعني هنالك ، واستعذت بقول أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - في بعض أدعيته : « أعذني اللهمّ من أن أستعمل الرأي فيما لا يدرك قعره البصر ، ولا يتقلقل إليه الفكر » . ثم أنبت إلى اللّه وفوّضت أمري إلى اللّه ، فهداني اللّه ببركة متابعة الشرع المبين ، إلى التعمّق في أسرار القرآن وأحاديث آل سيّد المرسلين - صلوات اللّه عليهم - وفهّمني اللّه بمقدار حوصلتي ودرجتي من الإيمان ، فحصل لي بعض الاطمئنان ، وسلب اللّه منّي وسواس الشيطان - وللّه الحمد على ما هداني . . . ثمّ إني جرّبت الأمور واختبرت الظلمة والنور ، حتى استبان لي أنّ طائفة من أصحاب الفضول ، المنتحلين متابعة الرسول ، غمضوا العين ورفضوا الثقلين ، وأحدثوا في العقائد بدعا وتحزّبوا فيها شيعا . . . ترى أحدهم مولعا بالنظر إلى كتب الفلاسفة ، وليس له طول عمره همّ سواه ، ولا يكون في غيره هواه ، من قبل أن يحكم علما شرعيا أصليا أو فرعيات . . . وكأنّ هؤلاء القوم حسبوا أن من العلوم الدينيّة ما لا يوجد في القرآن والحديث ، ويفهم من كتب الفلاسفة والمتصوّفة ؛ والمساكين لا يعرفون أن الخلل والقصور ليس من القرآن والحديث ، بل الخلل في فهمهم والقصور في درجة إيمانهم . . . وإذا كان الأمر